المعالم التاريخية في حاجة للتثمين لإنقاذها من الاندثار

آسفي – تزخر مدينة آسفي بعدد من المعالم التاريخية التي تشهد على العمق التاريخي والحضاري لهذه الحاضرة المطلة على المحيط الأطلسي، إلا أنها تواجه اليوم خطر الاندثار والزوال بفعل عدد من العوامل الطبيعية والبشرية.

وتعيش هذه المعالم التراثية، في الآونة الأخيرة، وضعية مقلقة جراء الانهيارات المتتالية والمخاطر المحدقة بها، والتي أضحت تهدد وجودها المادي والتاريخي والحضاري، كما هو الحال اليوم بالنسبة للكنيسة الإسبانية التي انهار جزء منها يوم الثلاثاء الماضي.

وحسب نداء لجمعية ذاكرة آسفي، التي تعد شريكا أساسيا في حماية المعالم الحضارية للمدينة والارتقاء بمكانتها الثقافية والتاريخية، فإن ما حدث للكنيسة الإسبانية قد ينسحب أيضا، على المعملة البرتغالية قصر البحر ومعالم أخرى التي “تعيش حالة مزرية جراء ما تتعرض له من إهمال في ظل انعدام الصيانة أو الترميم”.

وأثارت الجمعية انتباه المسؤولين والمشرفين على المآثر التاريخية، محليا ووطنيا، إلى الوضع “المقلق جدا” لهذه المعالم الحضارية التي تعرف سنة بعد أخرى انهيارات متتالية، ستقضي لا محالة على وجودها المادي، مما يشكل خسارة كبرى لذاكرة المدينة ولرصيد البلاد الحضاري.

وبالمناسبة، أكد رئيس الجمعية، السيد محمد منيس، أن الحفاظ على المعالم الحضارية متنوعة الهوية بآسفي، والتي لها قيمتها التاريخية وحمولتها الروحية والحضارية، تشكل مصدر ثراء للذاكرة المحلية والوطنية، بل مصدرا أساسيا، في حالة صيانتها وحسن توظيفها، في الارتقاء بجاذبية مدينة آسفي والإسهام في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وأضاف السيد منيس، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الجمعية حرصت، منذ تأسيسها، على تثمين الرصيد التاريخي للمعالم الحضارية لآسفي، وذلك بجرد وتصنيف من 60 موقعا ذو قيمة تاريخية وحضارية دينية وثقافية واقتصادية، مع التعريف بتاريخ بنائها ووظائفها عبر التاريخ، وهي التي تشكل اليوم، قيمة رفيعة من الناحية التاريخية والسياحية.

كما أعدت الجمعية معرضا متنقلا يوثق للحقب التاريخية لمدينة آسفي ابتداء من القرن الحادي عشر الميلادي (عهد المرابطين) إلى الحقبة الحالية (العهد العلوي المجيد) باللغتين العربية والفرنسية. وقد تضمنت هذه اللوحات، التي تطلبت 3 سنوات من البحث الأكاديمي، إضاءات غير مسبوقة عن مرور 1000 سنة من تاريخ مدينة آسفي.

وتتضمن هذه اللوحات أيضا، معطيات تاريخية وخرائط ووثائق نادرة وصورا ونقودا قديمة، مما يشكل مدخلا جديدا للباحثين والمهتمين لإعادة قراءة تاريخ المدينة و تشجيع الأبحاث الجامعية حولها.

وبالنظر إلى القيمة التاريخية والحضارية لقصر البحر الذي صمد لأزيد من خمسة قرون، فقد بادرت الجمعية، بالنظر للتداعيات الخطيرة للتعرية البحرية التي أضحت تشكل تهديدا حقيقيا لهذه المعلمة، في شهر فبراير 2018، بتعاون مع مجلس جهة مراكش-آسفي والمجلس الحضري وخبراء من جامعة “إيفورا” البرتغالية، إلى عقد اجتماعات متتالية لبحث السيناريوهات الممكنة لتبقى هذه المعلمة المصنفة ضمن قائمة التراث الوطني على قيد الحياة.

ودعا السيد منيس إلى التحرك “الجدي والمجدي” لاستدراك الزمن من أجل “الحفاظ على ما نعتبره إرثا مشتركا لمدينة آسفي وللوطن”، مؤكدا “استعداد الجمعية للتعاون مع مختلف الأطراف لدراسة جميع الحلول الممكنة والمنقذة لمآثرنا التاريخية والحضارية”.

وفي هذا الصدد، تسعى المديرية الإقليمية لوزارة الثقافة بآسفي إلى الحفاظ على المعالم التاريخية المصنفة في عداد الآثار الوطنية والتابعة لها طبقا للإمكانيات والاختصاصات الموكولة لها، وذلك عبر سلسلة من التدخلات من أجل النهوض بالمعالم التاريخية للمدينة.

ويتعلق الأمر أساسا، بتوفير أطر وتقنيين مختصين لمراقبة وحماية  هذه المباني وإعداد تقارير حولها بشكل دوري، وتوفير كل من حراسة ونظافة وبستنة المباني التاريخية من خلال أعوان يتم التعاقد معهم من خلال شركات خاصة، والعمل على إنجاز شراكات على المستوى المحلي من أجل الترميم والتثمين ورد الإعتبار، قصر البحر نموذجا.

كما تعمل المديرية على برمجة المباني المتدهورة التابعة للقطاع في البرنامج الوطني السنوي للترميم الذي تحضره مديرية التراث الثقافي بالرباط وبرنامج عمل المديرية الجهوية للثقافة بجهة مراكش آسفي؛ وحماية المعالم من خلال تحضير ملفات للتقييد، التصنيف وكذا الجرد.

وفي هذا السياق، أكدت المديرة الإقليمية لوزارة الثقافة بآسفي، السيدة ابتسام اوريمش، أن النسيج المعماري العتيق لمدينة آسفي يتضمن عددا  مهما من البنايات التاريخية المتنوعة، المصنفة وغير المصنفة، ضمن لائحة الآثار الوطنية، وذلك لكونها تشكل جزءا أساسيا من الهوية والتراث الوطنيين، وكذا الذاكرة والتاريخ المشتركين المغربي – البرتغالي.

وأضافت السيدة اوريمش، في تصريح مماثل، أن بنايات هذه المعالم التاريخية أصبحت في حالة “جد متدهورة” بسبب عدة عوامل أهمها الرطوبة الشديدة بفعل تسربات مياه البحر إلى المدينة العتيقة والتساقطات المطرية.

وأشارت إلى أن عوامل بشرية بسبب عدم وعي الساكنة أدت إلى تدهور هذه المعالم، كـ”الحفر على الكنوز والبناء العشوائي بمحاذاة السور ورمي الأزبال”، بالإضافة إلى عوامل أخرى كـ”غياب الصيانة والترميم المستمر وتقادم الملاط، مما أدى إلى ظهور تصدعات وحدوث انهيارات جزئية متسلسلة”.

بالمقابل، خلصت المسؤولة الإقليمية إلى التأكيد على أن مختلف المجهودات المبذولة للنهوض بالمعالم التاريخية للمدينة، “غالبا ما تصطدم بشح أو شبه غياب للموارد المالية المرصودة لترميم هذه المعالم، وذلك على الصعيد المركزي”.