بن جرير/اليونسكو..إشادة بالجهود المبذولة في خدمة التعليم

(بقلم: سمير لطفي)
بن جرير (إقليم الرحامنة) – أخذت مدينة بن جرير، عاصمة إقليم الرحامنة، على عاتقها منذ وقت طويل، مهمة رئيسية تتمثل في التموقع كـ”قطب” حقيقي للتميز والمعرفة والعلوم والكفاءات. وهو خيار وعمل دؤوب أعطيا ثمارهما مؤخرا، مع الاندماج الناجح في شبكة اليونسكو العالمية “لمدن التعلم”، شهر شتنبر الماضي.

ويعود الفضل في ظفر بن جرير بصفة “مدينة التعلم”، إلى جانب العيون وشفشاون، إلى نهج براغماتي ومتكامل وموضوعي، قائم على التشخيص الدقيق للوضع في الميدان، بهدف تحديد الصعوبات بشكل أفضل وكذا الفرص المتعددة المتاحة بشكل يمكن من وضع تصور لجميع السيناريوهات الممكنة من أجل إرساء أسس تعليم جيد وتعزيز التدريس والتكوين كركيزة لأي تنمية مستدامة.

ويأتي هذا التكريس الدولي كتتويج لجهود حثيثة يقودها، في تعاون تام، عدد من الفاعلين الذين يؤمنون بالعمل والمثابرة والالتزام لتحقيق التميز. ومن بين هؤلاء الفاعلين توجد (مؤسسة الرحامنة للتنمية المستدامة) التي جعلت، منذ إنشائها، قضية التعليم والتدريس واحدة من أولوياتها.

ومكن الالتزام المتواصل وفق الرؤية المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وانخراط فاعلين مؤسساتيين آخرين (قطاعات وزارية وسلطات إقليمية وقطاع خاص والمكتب الشريف للفوسفاط وفاعلون من المجتمع المدني)، مدينة بن جرير، في فترة قصيرة، من التوفر على بنية تحتية جامعية، من بين أرقى وأحدث الجامعات العالمية، لاسيما عبر إحداث قطب يتكون من ثانوية التميز وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

وينصب اهتمام هذه الجامعة، التي تقع في قلب “المدينة الخضراء محمد السادس” وتجسد في حد ذاتها طموحا مستداما واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، بالكامل على البحث التطبيقي والابتكار مع التوجه نحو إفريقيا، بطموح كبير ومشروع يتمثل في تبوئ مكانة متميزة إلى جانب أرقى الجامعات العالمية المعروفة في هذه المجالات.

أكثر من مؤسسة أكاديمية تقليدية، تعتبر جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية منصة للتجريب ومنبعا للفرص، وهي التي يسميها طلابها ب”مدرسة الحياة”. ويتعلق الأمر ب”تمثيلية مصغرة” للعالم الخارجي، بتحدياته، وآفاقه ووعوده. وتتطلع هذه الجامعة لأن تساهم في التعريف بمؤهلات الشباب المغربي والطلبة من كامل القارة الإفريقية. فهي قطب حقيقي مخصص للبحث والتعليم عالي المستوى والابتكار من أجل مواكبة أفضل لتطور إفريقيا.

وبمعنى آخر، فجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية هي بيئة للتعلم من نوع جديد، وذلك بفضل “مختبراتها الحية” (Living Labs)، والرقمنة والتعلم عن طريق الأقران (Peer-to-peer learning).

ولا يمكن الإشارة إلى هذه الجامعة، دون الحديث عن المدينة الخضراء، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2009، في إطار مشاريع التنمية الحضرية الكبرى لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط. وهي مدينة عصرية تسعى إلى التحول لفضاء حياة جذاب يحترم البيئة ويتمحور حول منظومة المعرفة. مدينة جديدة بأبعاد محلية ووطنية في نفس الآن.

وتندرج “المدينة الخضراء محمد السادس” إذن ضمن نهج الاعتماد البيئي (LEED ND)، علما بأن المثالية الاجتماعية والبيئية لهذه المدينة ستتواصل في إطار جميع مراحل تنميتها.

وبن جرير هي أيضا ثانوية التميز ومنصة دولية للتجارب والبحث والتكوين في مجال الطاقة الشمسية من خلال منصة “Green Energy Park”، علاوة على “مدرسة الذكاء الجماعي” مع برنامج بحثي طموح يغطي عددا من المجالات.

وفي هذا الصدد، نوه منسق شبكة اليونسكو لمدن التعلم، المساعد حجاج، بإدماج مدينة بن جرير في هذه الشبكة المرموقة، مشيرا إلى أن هذا التتويج هو ثمرة لجهود طويلة من حيث إرساء البنى التحتية الملائمة التي تهدف إلى تعزيز التعليم والتكوين على مختلف المستويات (من مرحلة التعليم الأولي إلى التعليم العالي).

واعتبر السيد حجاج، وهو أيضا نائب رئيس جماعة بن جرير، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، هذا الإنجاز “تتويجا للعمل الذي نتج عن التعاون النموذجي لعدد من الفاعلين، لاسيما السلطات العمومية والمنتخبين المحليين والمجتمع المدني والشركاء الخواص، وعلى رأسهم المقاولة المواطنة (مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط )”، مشيرا إلى أن هذا الاندماج في شبكة اليونسكو سيسمح لمدينة بن جرير بتبادل الخبرات والتجارب في مجالي التعليم والتكوين مع المدن الأخرى العضوة بهذه الشبكة.

من جانبه، أبرز السيد حسن رضوان، مدير مدرسة الهندسة المعمارية والتخطيط والتصميم، ومركز دراسات الدكتوراه “العلوم والتقنيات والهندسة” بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببن جرير، الأهمية الكبيرة لهذا الاندماج في شبكة اليونسكو ل”مدن التعلم”، قائلا إنه لم يتفاجأ بهذا التصنيف المرموق.

وأضاف السيد رضوان، في تصريح مماثل، “نعتقد أنه بفضل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات وشبكتها الجامعية الترابية والوطنية، أصبحت مدينة بن جرير مدينة للتعلم، حيث اختارت منذ البداية النهوض بالمعرفة كرأس مال يهدف إلى خلق تآزر ودينامية ترابية”.

وأكد أنه “بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والمقاربة المواطنة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، تم إحداث جامعة محمد السادس متعددة التخصصات للاستجابة لعدد من الأولويات، منها على الخصوص، النهوض وتطوير البحث العلمي عالي الجودة والموجه بشكل أساسي نحو المواضيع المحلية، مع مقاربة تهدف إلى اعتماد التكنولوجيا لجعلها ثقافة محلية”.

وتابع قائلا ” إن نهجنا داخل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، وهي جامعة تتجه بعزم نحو القارة الإفريقية، يتمثل أيضا في الدعوة إلى الابتكار والتميز، أي معرفة كيفية الابتكار حول التكنولوجيا والخبرة المحلية لخلق القيمة المضافة في مجال التنمية المستدامة والذكية”.

وأشار في هذا الصدد، إلى أن هذا ممكن “لأننا اخترنا مدينة ناشئة ووسيطة، وهي مدينة بن جرير، وحرصنا على تعزيز دينامياتها على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية من خلال جامعة مبتكرة ومواطنة، تتمثل مهمتها في خدمة المجتمعات والسكان في المناطق المحيطة، سواء في بن جرير أو إقليم الرحامنة، أو حتى الجهة بأكملها، بل وعلى المستوى الوطني”.

ونوه بكون بن جرير والرحامنة أصبحتا بفضل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، مختبرات حية حقيقية “لتجربة كل ما نقوم به على المستوى الجامعي، من خلال البحث العملي للتأثير على المجال الترابي”، مسجلا أن مدينة بن جرير لديها جميع المؤهلات لتشكل نموذجا دوليا في مجالات المرونة والاستدامة والذكاء.

ولتحقيق هذه النتائج المشجعة وتمكين مدينة بن جرير من الاصطفاف إلى جانب المدن الرائدة في المجال، تم الاهتمام بشكل خاص بقضية التعليم، وذلك في مختلف مراحل عملية التعلم. وليس من قبيل الصدف أن نرى الرحامنة ضمن الأقاليم الأولى على المستوى الوطني، التي أطلقت برنامجها لتطوير التعلم الأولي، في إطار شراكة بين السلطات الإقليمية، ومجلس الإقليم، والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية، والمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي.

ويقوم هذا البرنامج “الطموح” و”الواقعي” على تشخيص دقيق للوضعية وينقسم إلى أربعة محاور رئيسية، هي: توسيع عرض التعليم الأولي وتأهيل العرض الحالي، وتكوين المهنيين العاملين في المجال، وإحداث “حاضنة” إقليمية للمشاريع بهدف معالجة العجز في البنى التحتية، مع النهوض بروح المقاولة في هذا المجال.

ويهم المحور الأخير من خارطة الطريق الإقليمية هاته إنجاز خريطة تمكن من توفير معطيات موثوقة حول المعدل الحقيقي للتعليم الأولي في كل جماعة وتحديد الجماعات الترابية غير المشمولة بهذا التعليم، ووسائل التدخل وطريقة التمويل والتدبير الأنسب الواجب تنزيلها.

وهكذا، فقد تم تشغيل ما يناهز 177 وحدة للتعليم الأولي، بما فيها 165 وحدة على مستوى دواوير، بينما تم إحداث 120 وحدة برسم السنة الدراسية 2019-2020، ضمنها 27 وحدة في إطار شراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي، وفقا لمعطيات عمالة الإقليم، التي تشير إلى أن عدد التلاميذ المستفيدين (بين ثلاث وخمس سنوات) ارتفع إلى 10 آلاف.

وتعد الصحة المدرسية أيضا من بين الأولويات على المستوى الإقليمي، إلى جانب مكافحة الهدر المدرسي والنهوض بالتعليم في الوسط القروي، مع ضمان النقل المدرسي، وكذا تعزيز شبكة البنى التحتية لاستقبال وإقامة المتعلمين (17 دارا للطلبة والطالبات بدأت في الاشتغال، وتسعة أخرى قيد الإنشاء أو التشغيل).

وهكذا، مكن هذا الالتزام “المثمر” و”المواطن” على الميدان مدينة بن جرير من الاندماج ضمن شبكة اليونسكو لمدن التعلم، التي تضم أكثر من 174 مدينة في 55 دولة حول العالم.

وتعرف منظمة اليونسكو “مدينة التعلم” بأنها المدينة التي تعبئ بشكل فعال مواردها في كافة القطاعات بغية النهوض بالتعلم الدامج ابتداء من التعليم الأساسي وإلى غاية التعليم العالي، وتذكي التعلم داخل الأسر والمجتمعات، وتسهل التعلم من أجل العمل والتشغيل، كما توسع استعمال تقنيات التعلم الحديثة، وتعزز الجودة والتميز في التعلم وتشجع ثقافة التعلم مدى الحياة.