زاوية سيدي بلعباس بمراكش، فضاء عريق لتكريس قيم التضامن

(فؤاد بنجليقة)
مراكش – إذا كانت الزوايا قد أسهمت في صنع التاريخ الديني للمملكة، وفي نشر قيم السلام والتسامح، فإن زاوية سيدي بلعباس بمراكش تتميز، عبر تاريخها وإلى اليوم، بأدوارها الرائدة في النهوض بقيم التضامن والتآزر في المجتمع.

واشتهرت هذه الزاوية الدينية، التي توجد داخل الصرح الديني الذي يقع في قلب المدينة العتيقة لمراكش، والذي تم بناؤه لتخليد ذكرى الولي الصالح سيدي بلعباس (1129-1204)، على الصعيدين الوطني والدولي، لتتبوأ الريادة في إرساء منظومة محكمة لإعادة توزيع الصدقات، والمساعدة على الأشخاص المحتاجين.

وتهدف هذه المنظومة إلى تكريس قيم التضامن والتكافل الاجتماعيين، التي أرساها الولي الصالح سيدي بلعباس، والذي عكست حياته خطَبَه التي أكدت على أهمية الكرم وبذل العطاء للأشخاص المعوزين.

وخلف هذا الولي الصالح الموقر في جميع أنحاء المغرب، وراءه إحدى شيم الكرم التي ارتبط اسمه بها. وعلاوة على ذلك، تخصص له العديد من الهيئات المهنية في المملكة أولى ثمار عملها، الذي يحمل اسم “العباسية”.

وما تزال الزاوية إلى غاية اليوم، فضاء ينجذب إليه المئات من الأشخاص المحتاجين.

وفي تصريح لقناة (إم 24) التابعة للمجموعة الاعلامية لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد الباحث المختص في التراث الديني، عبد الإله تابت، أن الولي الصالح سيدي بلعباس المعروف باسم أبي العباس السبتي، اشتهر في حياته بخلوته التي استمرت أربعين عاما، وببلاغته، وبقدرته على الإقناع، وبإحسانه، وملكته في منع المظالم، وإيواء الغرباء، وإطعام الفقراء خلال فترات المجاعة والأزمات، وتأمين الطرق التجارية ومساعدة المحتاجين.

وكشف أنه إلى يومنا هذا، لا يزال اسم رمز التصوف هذا مرتبطا بالسخاء الكبير الذي جعل منه أيقونة في العالم العربي والإسلامي.

وأوضح أن منظومة إعادة توزيع صدقات الزاوية تستهدف ما لا يقل عن 2000 شخص، كلهم معوزون وذوو إعاقات، مضيفا أنه من أجل تنظيم عملية إعادة توزيع الصدقات، عمدت الزاوية إلى تزويد المستفيدين ببطاقة قابلة للتجديد كل سنتين، تمكنهم من الحصول على إعانة شهرية، والتي أضحى صرفها يتم كل شهرين خلال فترة (كوفيد-19).

وفي هذا السياق، أكد السيد تابت أن الزاوية التي يعتمد عملها الخيري، بشكل حصري، على سخاء وجود المتبرعين العرضيين أو المنتظمين، تسدد جميع المبالغ المحصلة خلال الشهر الماضي، مشيرا إلى أن عملية التوزيع يشرف عليها مقدم، يضطلع بمهام تسيير  الزاوية، والذي يتعين أن يكون بالضرورة رجلا ميسور الحال معروفا بالنزاهة، وتساعده لجنة تتألف من أربعة أعضاء، بغرض ضمان الشفافية الكاملة للمسلسل برمته.

وأضاف الباحث المتخصص في التراث الديني أن مجموعة من “الطّلبة” ، وكلهم يعانون من إعاقة بصرية، مرتبطين أيضا بالزاوية، يتلون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وبمناسبة الأعياد الدينية، حيث يتمتعون بوضع خاص داخل المؤسسة.

وبالنظر إلى إشعاع أعمالها التضامنية والخيرية، إضافة إلى الصدقات والهبات باختلاف أنواعها، فإنه تتم تعبئة أطباء وصيادلة وعيادات خاصة، وذلك في إطار التكفل بالمحتاجين من خلال العلاجات والاستشارات والتدخلات والعمليات الجراحية، ولكن أيضا في ما يتصل بتوزيع الأدوية على الأشخاص في وضعية صعبة .

وأشاد السيد تابت، في هذا الاتجاه، بالأعمال الجليلة للسلاطين والملوك العلويين، والذين أولوا اهتماما خاصا للزاوية العباسية، وذلك من خلال ترميم الضريح وصيانته وتزيينه، بالإضافة إلى الهبات الملكية التي تتلقاها الزاوية بشكل منتظم في عهد الأسرة العلوية.

ففي القرن السادس عشر، تم بناء مسجد جميل أضيف إلى الضريح الأول. ويستقبل هذا المسجد التاريخي، الذي يعد جوهرة معمارية حقيقية، آلاف السياح سنويا.

ويضم هذا الصرح الديني ممرا مقببا يؤدي إلى فناء واسع جرى ترصيفه بعناية، تهيمن عليه مئذنة شيدت بالطوب الجاف، بينما زين المدخل الضخم للمسجد بالرخام والجبص وجمّل السقف بطلاء.

كما توجد قبالته نافورة تعود إلى القرن الثامن عشر ذات زليج بهي، تضم هي الأخرى مظلة من خشب الأرز جرى نحتها وطلاؤها.